عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني

647

معارج التفكر ودقائق التدبر

لدعوة الحقّ ، إذ كونه مظلوما ، وقادرا على مقابلة السّيّئة بمثلها ، يجعل قلوبهم تعطف عليه من جهة ، وتكبر خلقه الإسلاميّ من جهة أخرى ، فيميلون إلى الدّخول في الإسلام ، وهذا إصلاح عظيم لنفوسهم . الدّلالة الثّانية : دعوة المظلوم المؤمن المسلم إلى إصلاح ما بينه وبين ظالمه ، إذا كانت بينهما خصومة ماليّة أو غيرها ، بوسائل الإصلاح المعروفة بين الخصماء ، مع عفوه عمّا ناله من أذى . وفي كلتا الدّلالتين عمل دعويّ يساعد على انتشار الإسلام ، وتحبيب قلوب غير المسلمين به ، وهذا أحبّ إلى اللّه من تحقيق العدل بانتصار المسلم لنفسه ، ومقابلة السّيّئة بمثلها . ولتأكيد حقّ المظلوم بأن ينتصر بالعدل لنفسه ، قال اللّه تعالى في النّصّ : * وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ ( 41 ) : « من » في وَلَمَنِ شرطيّة روعي لفظها المفرد في جملة الشّرط ، وروعي معناها الجمعيّ في جملة جواب الشّرط : فَأُولئِكَ . أي : ومن المؤكّد أنّ كلّ من انتصر لنفسه في حدود : وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها فأولئك الفضلاء لا يوجد سبيل يوصل إلى لومهم أو مؤاخذتهم على انتصارهم لأنفسهم بالعدل ، إذ هم يملكون الحقّ الدّينيّ والعقليّ المقبول لدى العقول وفطر النّفوس في أن ينتصروا لأنفسهم . وجاءت عبارة : بَعْدَ ظُلْمِهِ : أي : من بعد أن يظلمه ظالمه قيدا لازما ، والغرض منه أن لا يبادر المسلم بالانتقام تخوّفا من أن يظلم ؛ لأنّه بهذا يكون هو البادئ بالظّلم . وأبان اللّه تعالى بعد هذا أنّ السّبيل الموصل إلى اللّوم ،